PAC 16 – سياسة خارجية بين الابتكار والتأجيل قمة الاتحاد الأوروبي في 11 فبراير 2010

كتبه: إلسا تلتمس Elsa Tulmets

ترجمه: آيات الشيخAyat Alshaikh

Passage au crible n°16

بعد فشل محاضرة كوبنهاجن عن المناخ في ديسمبر 2009، قام المدير الجديد للمجلس الأوروبي هيرمان فان رومبي في 11فبراير2010 باستدعاء ممثلي الدول الأعضاء للإتحاد الأوروبي لقمة غير عادية مخصصة للإنعاش الاقتصادي. في هذه الحالة، كان هو الحدث الأول المغطى إعلاميا لإتحاد مقيد من الآن فصاعدا بمعاهدة لشبونة. ولكن برغم بعض التحديثات، لم تحظ العلاقات الخارجية بالاهتمام. السياسة الخارجية للإتحاد والتي تم تقدسيها مؤخرا عن طريق المعاهدات يبدو أن مصيرها سيكون على الدرجة الثانية من الاهتمام.

نبذة تاريخية
الإطار النظري
تحليل
المراجع

نبذة تاريخية

منذ نهاية الحرب الباردة يتوجب على الإتحاد الأوروبي بصورة متواصلة إعادة تعريف دوره في عالم متعدد الأقطاب، حيث تبدو المنظمة غير قادرة على احتواء الأزمات ويشمل ذلك قضية جوارها لمنطقة البلقان. في عام 2002 خلال اتفاقية (مستقبل أوروبا) التي كان يتوجب فيها تبسيط المعاهدات ومنحها جودة القانون الدولي تم اقتراح تحديثات في شأن السياسة الخارجية. بعد رفض المعاهدة الدستورية عام 2005، تم اعتماد نسخة معدلة في تاريخ 13 ديسمبر2007في لشبونة والتي أصبحت معتمدة بصورة نهائية في 7 ديسمبر 2009. حيث أن هذه القمة الأوروبية الأولى التي أغفلت القضايا الدولية باختيارها التركيز على مساعدة اليونان وخطة تطوير عملية التنمية و العمل أوروبا 2020.

الإطار النظري

عملية تأكيد سلطة جديدة، وهي سلطة رئيس الإتحاد الأوروبي تظهر بصورة خفية نقاط ضعفالقوة الناعمة وحدود المد للإتحاد الأوروبي.
1. القوة الناعمة. عند تكوين هذا المفهوم، جوزيف ني كان يهدف إلى توصيف سلطة الجاذبية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج. كان يريد أيضا أن يبين بواسطة هذه القوة مدى قدرة أمريكا التأثير على شركاءها بطرق أخرى غير الإكراه، هذه الطريقة تعتمد على تأثير الاقتصاد، الموارد الاجتماعية والثقافية. القوة الناعمة مبنية على النقيض من القوة الصعبة ذات الطبيعة العسكرية.
من جانبه، يعتمد الإتحاد الأوروبي كثيرا على استعراض سياساته الأكثر إندماجا ( في السوق الداخلي)، وعلى الجذب الناتج عن منطقة اليورو وذلك ليفرض نفسه على الصعيد العالمي. هكذا يتم استخدام مصطلح القوة الناعمة نفسه في الخطابات السياسية الحديثة للإتحاد الأوروبي وذلك لإضفاء الشرعية على إستراتيجية التوسع نحو الشرق. بهذه الطريقة مفاوضات الإنضمام الحالية تكرر هذه الرؤية والتي طورت زيادة على ذلك في ( السياسة الأوروبية الخارجية) الموجه منذ عام 2004 للدول الواقعة في جنوب وشرق الإتحاد الأوروبي الموسع.

2. المد. هذا التعبير الذي طوره لمفهوم دافيد ميتراني، تم إعادة استخدامه من قبل منظري الاندماج الأوروبي. وفي هذه الحالة يشير التعبير إلى التعاون المحدود في المجالات ذات الاهتمام المشترك التي تحمل طابعا غير سياسي مثل الزراعة أو المواصلات. ثم يشير هذا التعبير في مقام ثان إلى آلية انتشار نحو مجالات أخرى ذات طابع سياسي أكثر وضوحا. اعتمادا على هذا المنطق، اعتماد عملة موحدة(اليورو) يحمل تنازل هذه الدول عن واحد من امتيازاتها الحصرية، عن الرمز الأول دون منازع لسيادتها. المد لقطاع نحو آخر يؤدي أيضا لاندماج أفضل في مجال السياسة الخارجية. على سبيل المثال السياسة التجارية العامة تكونت بفضل اندماج السوق الداخلي. في حين أن الوسائل المخصصة لتجنب الأزمات، كانت نتيجة في جزء منها عن مجال الشنغن. من المؤكد أن القمة الأوروبية في تاريخ 11 فبراير تعتبر شاهدا على العلاقات المحدودة المنسوجة بين الحركات المتنوعة للإتحاد الأوروبي ولكنها تبين كذلك غياب التوازن.

تحليل

حفظ القوة الناعمة الأوروبية
في فترات الأزمات يتوجه الاتحاد الأوروبي للمحافظة على مصداقيته الدولية وحماية الأساسي من قوته الناعمة عن طريق تلميع ثوابته المؤسساتية والاقتصادية.
معاهدة لشبونة كفلت اعتماد رقم هاتف للاتحاد الأوروبي في رد على التحدي الشهير للسكرتير السابق للولايات المتحدة هنري كسينجر، وكنتيجة إيجابية لهذه المعاهدة تمكن رئيس القمة الأوروبية هيرمان فان رومبي – الذي يشغل الوظيفة التي تم استحداثها إضافة للرؤساء المتعاقبين- من تنظيم القمة 🙁 إذا كان التطور العالمي يحتم ذلك، يمكن لرئيس المجلس الأوروبي أن يدعو لقمة غير عادية للمجلس الأوروبي بهدف تحديد الخطوط الإستراتيجية لسياسة الإتحاد في مواجهة في مواجهة التطور)، مادة 26 من النسخة الموثقة من معاهدة الإتحاد الأوروبي. ولكن إذا كان هذا الاتفاق مكن الإتحاد الأوروبي من التمتع ببعض الوظائف الأساسية، فإنه لا يخطط لتوزيع بناء بإمكانه تحسين رؤيته. في هذا الصدد، الرئيس الجديد يتحتم عليه (مادة 15) أن يتعاطى مع الممثل السامي في السياسة الخارجية وسياسة حفظ الأمن للإتحاد الأوروبي، منصب يشغله حاليا كاثرين أشتون المنتقدة بشدة في الخارج،في حين أن قسم الدبلوماسية الذي تم تأسيسه مؤخرا، يشكل تنظيما مازال قليل الفعالية. رؤساء الدول والحكومات يحتفظون بسلطة مهمة لأن المجلس الأوروبي ( يحدد المصالح الإستراتيجية، يعين الأهداف، يحدد وينفذ التوجهات العامة للسياسة الخارجية والأمن المشترك) (مادة 15).

الأزمة المالية التي أصبحت عالمية منذ 2008 وضحت من جانب آخر نقاط الضعف الاقتصادية للقوة الناعمة للإتحاد الأوروبي. هكذا تنم الأولوية الممنوحة لمنطقة اليورو ولسوق العمل عن عجز الدول الأوروبية عن مواجهة قوى السوق المعولم غير المنظم. ولكن إذا تعرضت منطقة اليورو للضعف فإن مدا سلبيا يمكن له أن يخل باستقرار السوق الداخلي، وقدرة الإتحاد الأوروبي على المساهمة الخارجية، نتيجة لذلك يتوجب على الإتحاد الأوروبي مواجهة التحديات المتعلقة بمنظومتها الداخلية قبل أن تتمكن من التعبير عن نفسها كممثل وحيد.

فرنسا وألمانيا، محرك مطور للفيض الأوروبي
في عملية البناء الأوروبي، شكل الترادف الفرنسي الألماني منذ وقت طويل الوسيلة المثلى لتكوين الاتفاق السياسي، ولكن قمة 11 فبراير ركزت على الرغم من ذلك على عجز هاتين الدولتين المؤسستين منذ الآن وصاعدا عن إيجاد تسويات أوروبية، في مجال النمو والعمل على سبيل المثال، الإجراءات المطروحة لم تحصل على موافقة الأغلبية بين الدول السبع وعشرين الأعضاء. على نفس المنوال، حتى وإن دعت فرنسا وألمانيا لعمل حكومة اقتصادية للإتحاد الأوروبي، فإن الفكرة لم يتم قبولها. في النهاية إن الأهمية التي أسبغتها الدولتين على الحركة الخارجية لم تؤثر إلا قليلا على الأجندة الأوروبية.

يبدو التعاون الأوروبي منذ البداية غير فعال في إطلاق الاندماج السياسي للتأكيد على دور الإتحاد الأوروبي على الصعيد العالمي. بكل تأكيد يعود هذا لخطوط الانقسام التي تغيرت منذ نهاية الحرب الباردة و التوسع نحو الشرق. هذه العوامل في الحقيقة تغيرت و استقرت ليست بين (أوروبا القديمة) و(أوروبا الحديثة) كما يعتقد بعض المحافظين الأمريكيين ولكن في التصدعات السياسية. اليوم، يتبين لنا أن الصراعات حول الميكانيكية المؤسساتية للبناء الأوروبي – البعد المشترك أو الفدرالي يضاف أيضا للخلافات العميقة حول تحديد العلاقات بين الاقتصاد والسياسة.

المراجع

Laïdi Zaki, La Norme sans la force : l’énigme de la puissance européenne, Paris, Presses de Sciences Po, 2005
Mitrany David, A Working Peace System, Londres, Royal Institute of International Affairs, 1943.
Nye Joseph, “Soft Power and American Foreign Policy”, Political Science Quarterly, 119 (2), 2004, pp. 255-270
Tulmets Elsa, “A ‘Soft Power’ with Civilian Means: Can the EU Bridge its Capability-Expectations Gap in the ENP?”, in : Delcour Laure, Tulmets Elsa (Eds.), Pioneer Europe? Testing European Foreign Policy in the Neighbourhood, Baden-Baden, Nomos, 2008, pp. 133-158

َPAC 15 – عَدُّدية بدون قيود التزامات الدول في إطار كوبنهاغن

كتبه: سيمون أوزينات Simon Uzenat

ترجمه: خالد جهيمة

Passage au crible n°15

لقد كان هدف المفاوضات التي نُظِّمت تحت رعاية الاتفاقية ـ الإطار للأمم المتحدة المتعلقة بالتغيرات المناخية CCNUCC (Convention-cadre des Nations unies sur les Changements climatiques), هو الوصول إلى اتفاق قانوني مُلزِم في مؤتَمر الأطراف المتعددة الخامس عشر CdP (conférence des Partis)، الذي عقد في كوبنهاغن من 7 إلى 19 ديسمبر 2009، والتي تتعلق بتمديد، وتكتيف الجهود التي نظمتها اتفاقية كيوتو ـ التي ينتهي العمل بها في 31 ديسمبر 2012 ـ وتأسيسِ نظامٍ مُستَقبَليٍ متعددِ لتنظيم المناخ.

نبذة تاريخية
الإطار النظري
تحليل
المراجع

نبذة تاريخية

اتفقت الوفود في أثناء انعقاد المؤتمر الثالث للأطراف المتعددة CdP في ديسمبر 1997 في كيوتو Kyoto.ة الذي دخل حَيِّز التَطبيق رسميا في عام 2005، والذي يُلزم الدول الصِّناعيةَ، المذكورةَ في الملحق I، بخَفضِ انبعاثاتها الإجمالية من غازات الانبعاث الحراري GES (gaz à effet de serre) بحلول عام 2012، بنسبة 5,2% مقارنة بمستويات عام 1990. كما أقام هذا الاتفاقُ نظامَ تدقيقِ دوليِّ، ونصَ على إنشاء آليات عقوبات. من جهة أخرى، فقد توصلت المناقشات، التي تَمَّت في إطار مؤتمر بالي الذي انعقد في ديسمبر 2007 (مؤتمر الأطراف الثالث عشر)، إلى تَبنِّي خريطة عمل بالي PAB (Plan d’action de Bali )، إضافة إلى آلية تتم كل سنتين ـ خارطة طريق بالي ـ حَدَّدَت تاريخا نهائيا للانتهاء من المحادثات في مؤتمر الأطراف المتَعددة الخامس عشر المنعقد في كوبنهاغن.
لقد خضع الاتجاه المُستمِر، في هذا الصدد، إلى مقاربة فوق ـ وطنية تميزت بقوةِ خبرةٍ عَبرِـ وطنية (le GIES)، مُمثلةِ في شرعية الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، بل إن إدارة كلينتون قد وقَّعت على اتفاقية كيوتو، لكن الكونجرس لم يُصادق عليها. تضم هذه الاتفاقية اليوم 189 طَرَفا، كما تعترف الولايات المتحدة الأمريكية الآن بتأثير غازات الانبعاث الحراري على المناخ، وعلى الصحة، وتطلب، على الرغم من استمرارها في رفض اتفاق كيوتو، هدفا شاملا يُقَسَم بعد ذلك بين الدول، بحسب مسؤولياتها السابقة، والحالية. أما الدول النامية، التي تأتي في مقدمتها البرازيل، والهند، والصين، والدول الأقل تنمية منها، فإنها تهدف، أولا وقبل كل شيء، إلى فرض حقها في التنمية؛ لذا فهي لا تتردد في استخدام المنظمات الدولية لتَصحيحِ الفوارق الاقتصاديةِ، والاجتماعية، والإقليميةِ، بين الدول الصناعية، والأخرى النامية. يبدو اتفاق كوبنهاغن، في هذه الحالة، نتاجا لعلاقات القوة هذه، كما يُسجل استمرار توزيعِ عالمي للسلطة السياسية.

الإطار النظري

يشير ملخص هذا الاتفاق، والالتزامات التي قدمتها الدول في 31يناير 2010، إلى مفهومين مرتبطين بَعضِهما ببَعْض ارتباطا وثيقا.
التعددية. يشير هذا المصطلح، الذي لا يمكن قَصره على وصف شكل جديد من أشكال التعاون بين الدول، بالأحرى، إلى إدارة عالَميَّة جديدةِ، مُجَزَّأة، ومُهَجَّنَة، مشركة قطاعات خاصة، وعامة، ودولا، ومؤسساتِ مجتمعِ مدنيٍ، ومُرَكِّبة الجزئي، والكلي. تظل هذه الأخيرة في مركز البحوث، والخطابات حول زعمٍ يكمن في جعل العلاقات الدولية علاقات شعبية، لكن يبدو أن هذه الديناميكية تضم عددا من الآليات، وتفرض، على هذا النحو، رؤى للعالم متباينة بشدة؛ لذا فإن التعددية يمكن أن تُفهم أكثر باعتبارها مصدرا إيديولوجيا، وعمليَّاتيا، لخدمة الفاعلين الدوليين.
2. المنافع العامة العالمية BPM (Biens Publics Mondiaux). تبدو المنافع العامة العالمية قبل أن تُمثِّل رهانا مهما من رهانات العلاقات الدولية، باعتبارها المُنتَج الأصلي لبناء اجتماعي يستقى معناه من نظرة متكاملة، بل مقدسة، للتنمية سواء في الزمان، والمكان. يبدو في هذا السياق أن معاينة، ومعرفة عبر دوليتين، يمكنهما أن يكوِّنا في الوقت نفسه ظرفَ إمكانية، وأدوات مفضلة لتقييم نهج موضوعي. من جهة أخرى، فإن هذه العقلانية المعاصرة تدخل في صراع عنيف أحيانا، مع الأطر التاريخية لسيادة القطاعات العامة، والخاصة المحدَّدَتين بدقَّة.

تحليل

يُقَدِّر عدد كبير من الملاحظين أن قمة كوبنهاغن قد قادت إلى اتفاق على الحد الأدنى مما هو متوقع، مُضَحِّية بالمصالح الإنسانية العامة، فقد تخلت، في الواقع، بِغِلظَة عن روح كيوتو. إنها تدعم، بالتأكيد، المبدأ السابع من تصريح ريو دي جانيرو (1992) المتعلق بـ ” المسؤوليات المشتركة، والمختلفة” بين الدول، لكنه يقتصر على تسجيل مقترَح GIECالفريق الحكومي الدولي المتعلق بتحديد ارتفاع درجات الحرارة إلى درجتين. كما أنه لا يقدم أي آلية دولية للمراجعة، والعقاب. يجب، من جهة أخرى، ملاحظةـ عدم توقيع أي دولة له رَسميا في ديسمبر 2009. أما الجمعية العامة للاتفاقية ـ الإطار للأمم المتحدة المتعلقة بتغيُّر المناخ CCNUCC ; فقد اكتفت بأخذ علم به.
ينبغي، مع ذلك، تجاوزُ هذه المقاربات المِعيارية؛ لِيُمكنَ الإحاطة، بطريقة أحسنَ، بمبادئ وخطوطِ قوة إدارة دولية ـ وبخاصة في مجال البيئةـ ما زالت إلى اليوم قيدَ التنفيذ. يعتبر اتفاق كوبنهاغن، الذي يأتي بعد 16 شهرا من سقوط لومان برذر Lehmann Brothers ، بعامة، مرحلة مهمة في طريق تعريف المجالات العامة، والخاصة؛ إذ ينبغي، بدلا من انتقاد الفردية الوطنية، بالأحرى، تحليلُ دور الأزمة الاقتصادية، والمالية ـ والعلاقات الجديدة التي ربطت بين منظمات دولية، وأنظمة بنكية، وحكومات، في تَسريع تَهجين أطُر الإدارة، وفي مساهمتها في جعل مصالح الجهات الفاعلة، التي أصبحت متعددة أكثر فأكثر، وقادرة، أكثرَ تباينا من ذي قبل. هكذا تعبر الاستراتيجيات التفاوضية للدول عن رؤى للعالم أكثرَ اختصاصا، وبالتالي يصعب التوفيق بينها. إن اختفاء الشفافية في مفاوضات كوبنهاغن، حيث استبعدت الدول النامية منها، كما أن المنظمات غير الحكومية لم تستطع الولوج إلى مركز المؤتمرات، قد ساهم في تقليص مواقف كل منها، وأضعف المواقف الطموحة.
يتعلق الأمر، إذن، بدرجة أقل بإفلاس النظام القائم على العلاقات مابين الدول، منه بمشكلة إقامة نظام متعدد يضم كل الأطراف المَعنيَّة، كالشركات، والمجتمعات المحلية، أو المنظَّمات غير الحكومية. من جهة أخرى، فعلى الرغم من أن تفكير الاتفاقية ـ الإطار للأمم المتحدة المتعلقة بتغيُّر المناخ CCNUCC ; مبني على أعمال الفريق الحكومي الدولي المتعلق بتحديد ارتفاع درجات الحرارة GIEC، منذ مؤتمر الأطراف الأول الذي انعقد في برلين في عام 1995، فإن أزمة الشرعية التي مر بها هذا الأخير فد أضعفت بشدة سلطاتِه؛ لذا فقد ظل تبَنِّي آلية قانونية ملزمةٍ، تُفرَض على كل الدول، أمرا بعيد الاحتمال تماما. لقد حدد اتفاق كوبنهاغن، بعكسه المنطق الذي ساد في كويوتو، وباستخلاصه الدروس من فشله؛ لأن هدف الخمسة في المائة لم يتحقق، إذن، إطارَ تعاون مبني على المُرونة، وعلى الرغبة الواحدة. وهو ما تشهد به الالتزامات التي أخذتها الدول على نفسها في هذا السياق ـ تلك التي نقلت إلى الاتفاقية ـ الإطار للأمم المتحدة المتعلقة بتغيُّر المناخ CCNUCC بتاريخ 31 يناير 2010ـ والتي يسمح اجتماعها باستهداف خفض يقدَّر مابين 13,3% ، و 17,9% من انبعاثات الدول الصناعية في حدود عام 2020 مقارنة بمستويات 1990، وهو قليل جدا إذا ما قورن بنسبة الخمسة والعشرين إلى الأربعين في المائة التي يرى الفريق الحكومي الدولي المتعلق بتحديد ارتفاع درجات الحرارة GIEC في التقرير الرابع (2007). أنها ضرورية. كما بَرمجت أوروبا خَفضا بنسبة 20% مقارنة بعام 1990، والولايات المتحدة الأمريكية 17% مقارنة بعام 2005 (أي 4% مقارنة بعام 1990)، وروسيا 25% مقارنة بعام 1990(مما يعني ارتفاعا قدره 13,5%عن عام2007)، كما تعهدت الصين بِخفض ما نسبته 45% من كثافة غاز الكربون مقارنة بعام 2005، والهند 24%.
إذن فالتعددية، يجب أن تكون، في المقام الأول، نافذة جديدة من الفُرَص، والتعبير عن الاستراتيجيات الفريدة. إن قمة كوبنهاغن لَترسمُ، في هذا السياق، معمارا جديدا للمشهد العالمي. كما يُعَدُّ الاتفاق جهازا مُعَولَما للتََوافُق.

المراجع

Kaul Inge, Grunberg Isabelle, Stern Marc (Ed.), Global Public Goods. International Cooperation in the 21st Century,New York, Oxford University Press, 1999
Keohane Robert O. (Ed.), International Institutions and State Power, Boulder, Westview Press, 1989.
Kindleberger Charles P., The International Economic Order. Essays on Financial Crisis and International Public Goods,Berkeley, University of California Press, 1986
Knight Andy, A Changing United Nations: Multilateral Evolution and the Quest for Global Governance, New York, Palgrave, 2000
Petiteville Franck, Le Multilatéralisme, Paris, Montchrestien, 2009

PAC 14 – بدون الصحة العامة في عهد الرأسمالية الخيرية التمويل في البلدان النامية عن طريق مؤسسة غايتس

Clément Pauleمقال: كليمن بول

ترجمة: حسيبة بن موسى

Passage au crible n°14

أعلن بيل وميلندا غايتس خلال الاجتماع السنوي للمنتدى العالمي الاقتصادي في التاسع والعشرين من كانون الثاني سنة ألفين وعشرة بدافوس أنّ مؤسستهما ستموّل بحث وتطوير وتوزيع لقاحات جديدة في البلدان النامية بقيمة عشرة ملايير دولار إلى غاية سنة ألفين وعشرين. وحسب المدير العام السابق لمايكروسفت من المتوقع أن يحدّ هذا الاستثمار بشكل واضح من معدل وفيات الأطفال بالأمراض المعدية. إنّ أغنى رجل في العالم (حسب ترتيب فوربس لسنة ألفين وتسعة) يصبو إلى المشاركة في تحسين الصحة العامة العالمية عن طريق مؤسسته التي أُنشأت عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين. تُعتبر مؤسسة بيل وميلندا غايتس فعليا أوّل منظمة خيرية في العالم مع اعتمادات مالية تُقدر بحوالي أربعة وثلاثين دولار في أيلول سنة ألفين وتسعة. فرض هذا الفاعل الخاص في غضون عقد من الزمن نفسه على المستوى العالمي كأهم مؤسسة في السياسة الصحية لدرجة أنّ اشتراكاته السنوية في هذا المجال تعدت ميزانية المنظمة العالمية للصحة والتمويلات الثنائية للكثير من الدول (وقد تخطت اشتراكاته مليار دولار سنة ألفين وسبعة).

نبذة تاريخية
الإطار النظري
تحليل
المراجع

نبذة تاريخية

تطور هذا النوع من المنظمات الخيرية، التي يكون مموّلها عملاق من عمالقة الصناعة، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من قرن. هناك العديد من الأسباب التي ساعدت على ظهور مثل هذه المنظمات بالولايات المتحدة الأمريكية منها المكانة التي يحتلها هذا البلد، قطاع الجمعيات غير انتفاعي ( القطاع غير ربحي أو ما يُسمى بالقطاع الثالث) أو أخلاقيات العمل.
في الواقع ساعد ثراء جيل من المؤسسات الصناعية الأمريكية في أواخر القرن التاسع عشر في ظهور تلك المنظمات الخاصة. ثلاث مؤسسات “الكبار الثلاث” تُجسد أوّل هذه الظاهرة : كارنجي ألف تسعمائة وإحدى عشر، روكفولر ألف تسعمائة وثلاثة عشر وفورد ألف وتسعمائة وستة وثلاثين. هذه المؤسسات تختلف عن المؤسسات الخيرية التقليدية وذلك عن طريق رغبتها في ترشيد التبرعات وضخامة هباتها ولقد وصلت بسرعة إلى العالمية من خلال الاستثمار في مجال التعليم وحفظ السلام والطب. علاوة على اتهامهم بتشجيع التهرب الضريبي، هذه المؤسسات متهمة أيضا بنشر الامبريالية الثقافية الأمريكية. وقد أظهرت البحوث التي خصّت “الكبار الثلاث” مدى تأثير هؤلاء الأعضاء على السياسة الخارجية الأمريكية. إلى يومنا هذا لا تزال هذه المؤسسات موجودة حتى أنّ ثرواتها زادت عما كانت قبل ففي سنة ألفين وثمانية، كانت مؤسسة فورد على سبيل المثال تملك أكثر من إحدى عشر مليار دولار.

ومع أنّ هذه المؤسسات الخيرية قد استطاعت أن تتأقلم مع تطورات القرن العشرين إلاّ أنّها تتعرض للمنافسة من قبل جيل جديد من المؤسسات الخاصة. تكوّنت هذه الأخيرة من طبقة ارستقراطية حديثة تتألف من رجال أعمال استفادوا من التقنيات الجديدة وتحرير الأسواق ويُعتبر بيل غايتس، عائلة والتون وإلي برود من أهم ممثليها. أمّا ورن بوفيه فقد تعهد سنة ألفين وستة بمنح الحصة الأكبر من ثروته أي ما يقارب ثلاثين مليار دولار لمؤسسة غايتس وذلك على مدى عدة سنوات. هذه الأموال الضخمة سمحت للمدير العام السابق لميكروسفت بالاستثمار بكثرة في برنامج صحي موجه للبلدان النامية. والجدير بالذكر أنّ مشاركة هذه المؤسسات الخيرية في هذا الميدان ليست بالجديدة، أليس في مخابر مؤسسة روكفولر قام ماكس تيلير (جائزة نوبل في الطب لعام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين) بضبط اللقاح ضد الحمى الصفراء سنة ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثون؟ ومع هذا ومنذ أكثر من عقد من الزمن استطاعت تمويلات مؤسسة غايتس الضخمة أن تسجّل نقلة نوعية هامة.

الإطار النظري

1 الرأسمالية الخيرية
قام رجال الأعمال “الاجتماعيين” الجدد ومنهم غايتس بترشيد “القطاع الثالث” وذلك بإدخال تقنيات مؤسساتية مستخدمة من طرف شركات ناشئة. تتعارض هذه العقلية مع العقلية الخيرية التقليدية، فالأولى تنتقد عبء المعاملات البيروقراطية للثانية وتركّز على المرونة والتقييم والمردود الاجتماعي للاستثمار.
2 دبلوماسية الفاعل الخاص
منذ نشأتها ساهمت مؤسسة غايتس في العديد من الابتكارات في مجال الصحة. بالرغم من كون المنظمات العالمية والدول الفاعل الأساسي في هذا المجال إلاّ أنّ المساهمات المالية لهذه المؤسسة الخيرية العملاقة تمنحها الحق في فرض دبلوماسية حقيقية. هذه الثأثير المعياري له آثار على شكل ومحتوى السياسات العالمية في مجال الصحة.

تحليل

لا يمكن تفسير قوة مؤسسة غايتس من دون الأخذ بعين الاعتبار تغير وضع المنظمة العالمية للصحة خلال سنوات التسعينات عندما واجهت أزمات مالية واختلافات داخلية فاضطرت للجوء إلى إستراتيجية الانفتاح على الفاعل الخاص والتي بإمكانها دمج أكبر المنظمات الخيرية والمؤسسات العالمية لخلق شراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص. ولكن بعد ذلك، حدّدت هذه الكيانات على المستوى العالمي ماهية البرامج الصحية وتنفيذها خاصة في مجال مكافحة الأمراض المعدية. من جهتها تواجدت مؤسسة غايتس بكثرة في هذه الهيئات مشاركةٌ في تمويل حملة مكافحة الأيدز ومرض السل والملا ريا كما أنّها لعبت دورا هاما في إنشاء التحالف العالمي للقاحات والتحصين وذلك بتوفير سبعمائة وخمسين مليون دولار للمشروع. لكن استثمار غايتس لا ينحصر في مشاركة مالية فقط لأنّ خبراءه يتواجدون أيضا في اللجان المشرفة على الشراكة. وقد دعمت المؤسسة إنشاء آليات مالية جديدة (مثل مرفق التمويل الدولي للتحصين) يمكن أن تكون مهمة بالنسبة للصناعة الصيدلانية التي تبحث عن لقاحات جديدة.
الإستراتيجية التي يروج لها بيل غايتس هي عبارة عن تحصين عام لصالح البلدان النامية ويُعتبر هذا حلا ناجعا وفعّالا. ولذلك أطلق المدير العام السابق لميكروسفت مبادرات باءت بالفشل في الماضي من بينها إمكانية القضاء على الملاريا عام ألفين وثمانية.ومع هذا وصف بعض المختصين في الصحة العامة والتطوير هذا التوجه بضيق الأفق ونددوا بوجود أيدلوجية تكنولوجية. برأي هؤلاء المختصّين هذا التوجه العمودي يتجاهل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحقائق المحلية. بالاضافة إلى ذلك، تتخوف بعض الشخصيات العلمية من وجود فاعل خاص قادر على فرض أولوياته إلى هذه الدرجة. ولقد اشتكى المسؤول عن برنامج مكافحة الملاريا لدى المنظمة العالمية للصحة عام ألفين وسبعة من ضغوطات تعرض لها من قبل مؤسسة غايتس حتى يوافق على تبني البرنامج المثير للجدل (العلاج الوقائي المتقطع). بشكل عام يمكن لتدخل العملاق الخيري في إدارة الصحة العالمية أن يُحدث بعض الاضطرابات في سياسات الصحة الوطنية للبلدان النامية. وفي هذا الصدد، يمكن أن يكون للرهان على اللقاحات تأثيرات هامة فقد يؤدي هذا إلى عدم توازن العروض الصحية وذلك على حساب خدمات التوليد والتغذية التي لا تعرف رواجا إعلاميا كبيرا. يشيد العديد من المراقبين بالمساهمة المالية التي تقدمها مؤسسة غايتس ولكن هناك العديد أيضا من التحفظات فيما يخص هذه المساهمات وهي نفس التحفظات التي وُجّهت لروكفولر ولفورد وقت إنشائهما. وبالتالي يمكن أن يخفي الخطاب التقني والشركوي للرأسمالية الخيرية وراءه إعادة انتشار للقوة الأمريكية الناعمة. ودون حكم مسبق على مؤسسة غايتس ونواياها فمن الواضح أنّ مساهمتهم في هذا المجال قد أدّى إلى تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص وآليات التمويل المختلطة. ومع ذلك فإن وجود مثل هذه الشراكة ما هو إلاّ إضفاء للشرعية على هذه السوق.

المراجع

Abélès Marc, Les Nouveaux riches. Un ethnologue dans la Silicon Valley, Paris, Odile Jacob, 2002
Guilbaud Auriane, Le Paludisme. La lutte mondiale contre un parasite résistant, Paris, L’Harmattan, 2008 Coll. Chaos International
Muraskin William, « The Global Alliance for Vaccines and Immunization: is it a New Model for Effective Public-Private cooperation in International Public Health? », American Journal of Public Health, 94 (11), nov. 2004, pp. 1922-1925
OCDE, Fondations Philanthropiques et Coopération pour le Développement, Tiré-à-part des Dossiers du CAD, 4 (3), 2003
Piller Charles, Smith Doug, “Unintended Victims of Gates Foundation Generosity”, Los Angeles Times,16 décembre 2007, à l’adresse web:
http://fairfoundation.org/news_letter/2008/01march/criticism_of_gates_foundation.pdf

PAC 13 – الضرورة تبيح المحضورة المؤتمر الأفغاني للمصالحة الوطنية، لندن الموافق 28 من الشهر الأول لعام 2010

مقال: ايرفي بيير Hervé Pierre

ترجمة : فؤاد القيسي

Passage au crible n°13

أعلن حامد كرزاي، في 28 من الشهر الأول لعام 2010، في مدينة لندن أمام ممثلي 70 دولة أنه “علينا أن نمد يدنا إلى أبناء وطننا، خصوصا إلى أخواننا الذين خُدعوا، والذين لا ينتمون إلى القاعدة، أو إلى أي تنظيم إرهابي آخر”. لقد بات خيار المصالحة، الذي بدأه الرئيس الأفغاني منذ عام 2003، والذي يُميِّز بين الصالحين والطالحين من طالبان، أولوية سياسية عام 2009 بالنسبة لكابول؛ وهو خيار ستتم ترجمته بعقد مجلس تقليدي موسع في ربيع عام 2010 ، وبتخصيص ميزانية تبلغ 358 مليون يورو؛ لردع الفقراء من الانضمام إلى المتمردين.

نبذة تاريخية
الإطار النظري
تحليل
المراجع

نبذة تاريخية

لقد أدى الاحتلال السوفيتي، الذي تلى سقوط الرئيس الأفغاني، إلى ظهور جماعات مقاومة -أثناء الحرب الباردة- دعمتها الولايات المتحدة.دعما كبيرا غير أن وحدة هذه الجماعات الجهادية لم تستمر بعد انسحاب الجيش الأحمر منذ عام 1989؛ فعمت الفوضى وأودى التنافس بين القادة بحياة العديد من المدنيين. لذا فقد قامت مجموعة من الطلاب، يزعمون إعادة النظام والعدالة عام ،1922 بالالتفاف حول المُلَّى عمر في المناطق القبلية الباكستانية؛ وحصدت النجاح العسكري تلو الآخر وبلغت ذروتها بالاستيلاء على كابول عام 1996.لكن هذا النظام الجديد، الذي لم يكن في بداياته معاديا للغرب، تطرف سريعا بعد اتصاله بابن لادن؛ فبنى برنامجا سياسيا مستندا على الشريعة، وحابي صراحة عرق البشتون.
أطاح حلف شمال الأطلسي–الذي تدعمه الولايات المتحدة- بحكومة طالبان عام 2001 التي سقطت سياسيا عام 2002 بعد سقوط قندهار؛ فأخذ المتمردون تدريجيا على عاتقهم الحكم عام 2003. هذه الجماعات المتمردة تتكون من عدد لا يحصى من المجموعات المتنافسة التي تتفق على مقاومة أي شكل من أشكال التدخل الخارجي؛ وتتباين توجهاتها فيما بينها تباينا كبيرا، كما لا يخفى حدة وصلابة مواقف بعض القادة الذين التحقوا بهذا الركب في وقت متأخر بعد انفصالهم عن طالبان. ألم تتحدت صحيفة الايكونومست عام 2003 لأول مرة عن طالبانية جديدة لوصف ما يجده بعض الباحثين، أمين ترازي مثلا، ظاهرة جديدة تماما.

الإطار النظري

الخطاب الأدائي، الذي يهدف لشيطنة الخصم، يخدم، للمفارقة، مصالح الفريقين المتواجهين في عراك مطلق. لكنه يقلل من فرص وجود وجهة نظر ثالثة تسعى للتمييز بين الصالح والطالح.
1. الخطاب الأدائي. أظهر ج.ل.أوستن أن بعض الخطابات لا تؤدي دورا وصفيا أو إخباريا، لكنها تشكل غاية في ذاتها. تفترض تسمية المتمردين الأفغانيين باسم طالبان أن هنالك وحدة على أرض الواقع بين مجموعات المقاتلين، وأنه يمكننا الربط تاريخيا بين الحركة التي أدارت أفغانستان بين عامي 1996 و 2001. أضف إلى ذلك أن الوزن العاطفي الذي يفوح به هذا المصطلح يعتبر سلاحا سياسيا يخدم مصالح الفريقين المتنافسين على حد سواء.
2. الشيطنة. يُنظر إلى المنافس كأنه كتلة واحدة متجانسة العناصر، ويتم تعريفه سلبيا، باعتباره مناقضا لنموذج آخر. تعد الرغبة في إعلاء شأن المرجعيات الخاصة – لجماعة أو فكرة ما- أساس هذه الرؤية الساذجة والمشوهة تجاه الواقع، التي قام روبرت جيرفس بتحليلها. كما تؤدي هذه الرؤية –لانعدام التعاطف فيها مع الطرف الآخر- إلى جحدان الأهمية، بل جحدان وجود عقلانية لدى الآخر. فالآخر، الذي حُصر في جوهر مفترض، يعكس صورة العدو المطلق، محفَّزِ الهموم، والأوهام، والمخاوف.

تحليل

لا شك في أن السعي إلى المصالحة عبر إعادة دمج فصيل من فصائل طالبان في اللعبة السياسية الوطنية يعد تطورا كبيرا يدلل على تقييم حاذق لهؤلاء المتمردين. كما أن هذه السياسية، إن تحققت فعلا، ستعلن موت طالبان حقيقة – بنقص المقاتلين- ومجازا باختفاء الخطابات الموحدة. لكن ثمة مشكلتين رئيسيتين تواجهان هذا التوجه.
1. عقيدة الحرب ضد الإرهاب. يدلل تشجيع سياسية مصالحة وطنية – كما يفهمه المؤثرون على المشهد السياسي الأفغاني- على ضعف الرئيس كرزاي لا على قوته. فالرئيس – الذي يعاني من تراجع شعبيته ومصداقيته بعد التزييف الذي تم في انتخابات الشهر الثامن من عام 2009- لا يحظى بعلاقات طيبة مع إدارة الرئيس أوباما. لذا فإن حتمال خفض عدد أفراد قوات التحالف بشكل كبير في أفق عام 2011 لا يترك له خيارات أخرى؛ فهو مجبور على زيادة إمكانياته البشرية. إن الجهاز التنفيذي الأفغاني لن يكتفي بنزع سلاح رجال العصابات، فهو يطمح في اكتساب قدرة تمكنه من قلب موازين القوى القائمة. هكذا تظهر المصالحة من أجل السلام تغريرا، أو حسابا سياسيا للرئيس كرزاي يهدف فقط إلى تقويته شخصيا في إطار حربي.
كما تبرر شيطنة العدو الحربَ المزمعة، وتبرر جمع الأموال، وتقوية الجيش، ويفترض فيها أن تجني دعم الرأي العام غير المشروط؛ لأنهم يواجهون عدوا داخليا متصلا بمجموعة مسلحة عالمية يديرها الملى عمر، وربما أسسها ابن لادن. أما بالنسبة للجانب الأمريكي، فقد اختارت هيلاري كلينتون استخدام ورقة الخوف من العودة إلى الانغلاق الديني، مفضلة بذلك جَوهَرة [تجميد] طالبان بدلا من الاعتراف لها بشيء من العقلانية. لكنها أعلنت في آخر المطاف، حتى تساند سياسة التقارب هذه، قائلة :”لا يجنح المرء إلى السلم مع أصدقائه”. إذن لا ترى الولايات المتحدة، التي شرعت بحرب ضد الإرهاب في العالم، سوى قسمين ينفيان بعضهما، ولا يتركان المجال لمنهج آخر بالوجود.
2. الرفض باعتباره مصدرا ناجعا. يمنح كل تنظيم أو عنصر هامشي نفسه منزلة كبيرة – بجهد بسيط – بوصف نفسه من طالبان على المستوى الداخلي؛ وقد تكون هذ المنزلة المكتسبة دون علاقة منطقية مع إمكانياته الحقيقية، لذا يدرج كثير من رجال العصابات في وادي تاجب صراعهم المحلي والنفعي ضمن تصور خيالي يتعدى حقيقة الصراع. لكن هذه الكذبة تعينهم لوجستيا وترفع من شأنهم. أما على المستوى العالمي، فيقوم قادة، الجهاد العالمي الذين يلجؤون إلى باكستان، بنشر أشكال عديدة من العنف الاجتماعي، وربطها بأسمائهم، واستغلالها بالتالي على الصعيد العالمي. فكم مرة رفض هؤلاء الذين يجعلون من حربهم ضد الغرب سلعة اقتراحات لندن جملة وتفصيلا؟ ألم يشر مجلس قيادة طالبان بوضوح يوم 28 من الشهر الأول إلى “أن محاولات العدو شراء المجاهدين بمنحهم المال وفرص العمل ليتركوا الجهاد محاولات فاشلة”؟
يخفي مشروع المصالحة الوطنية الأفغانية بصعوبة نقاط لُبسه الكثيرة؛ فهي سياسة ستلقى التشجيع وفقا للحسابات، وسيدعمها الجميع افتراضيا، لكن سترفضها الأطراف الرئيسة برمتها. لذا يظهر البيان الختامي لمؤتمر لندن شديد الدلالة في هذا السياق؛ لأنه لم يذكر كلمة المصالحة سوى مرة واحدة رغم النقاشات الطويلة.

المراجع

Tarzi Amin, Crews Robert D., The Taliban and The Crisis of Afghanistan, Cambridge, Harvard University Press, 2008
Austin John, Quand dire, c’est faire, trad., Paris, Seuil, 1970
Ledgard Jonathan, « Taking on The Warlords…», The Economist, 22 mai 2003.
Jervis Robert, Perception and Misperception in International Politics, Princeton, Princeton University Press, 1976

PAC 12 – إعادة النظر في العالم والسياسي العوائد والشكوك العالمية حول سياسات التطعيم

Clément Paule مقال كليمنت بول

ترجمة آيات الشيخ

Passage au crible n°12

الاجتماع البرلماني للمجلس الأوروبي (APCE) يتوجب عليه في نهاية يناير 2010 بدء تحقيق بشأن تهديد الأوبئة الكاذبة، في الحقيقة إن لجنة الصحة الفرعية لهذه المؤسسة في اقتراح صوت عليه في تاريخ 18 ديسمبر 2009 ، اتهمت الصناعة الدوائية ومنظمة الصحة العالمية بعقد اتفاقيات مشتركة. في هذا الحال يتعلق الأمر بتقييم إدارة مشكلة وباء حمى H1N1.
أخذت هذه المشكلة أبعادا أكبر بسبب التقارير الأخيرة عن الأوبئة التي تؤكد تراجع نشاط الفيروس في العديد من الدول خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الجزء الأكبر من أوروبا وآسيا.إن المختبرات الكبيرة (Big pharma) موضع إتهام في المساهمة في تضليل الناس، الأمر الذي مكنهم من بيع منتجات لم تختبر بشكل كاف. يبدو أن هذه الشركات استغلت السياسات العامة للتطعيم. المختبر البريطاني ( (GSKالذي سوق بشكل كبير للقاح (Pandrmix أعلن كذلك في تاريخ 15 يناير 2010 عن عائد مالي يبلغ 945 مليون يورو للفصل الرابع من العام 2009 .

نبذة تاريخية
الإطار النظري
تحليل
المراجع

نبذة تاريخية

تسبب فيروس H1N1منذ ظهوره في ربيع 2009 بأكثر من 14,000 حالة وفاة في 209 دولة، كانت المكافحة الدولية ضد الوباء قد توجهت سريعا نحو إجراءات تطعيم مبرمجة من قبل مجموعة من الخبراء (SAGE) التابعة لمنظمة الصحة العالمية. وعلى الرغم من ذلك أتسمت استراتيجيات الوقاية المتخذة من قبل السلطات الوطنية بالتنوع، وفي هذا الصدد مالت بعض الدول مثل فرنسا، كندا أو سويسرا لتغطية التطعيم على أقصى مستوى، مستهدفة أكثر من 75% من السكان. في المقابل قررت ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية سياسة أكثر اعتدالا، وعلى نفس المنهج تم تطعيم ما يبلغ 5% فقط من الصينيين، ما يعادل 65 مليون شخص منذ بداية عام 2010. أما الحملات الفيتنامية والسعودية فقد بدأت في نفس الفترة. وعلى العكس من ذلك تعتبر بولونيا حالة استثنائية حيث رفضت في شهر نوفمبر 2009 شراء أي منتجات دوائية. باعتبارها غير مجدية، من جانب آخر يجب التنويه بأن العديد من الدول لم تتمكن من الولوج مباشرة لسوق اللقاحات في حين أن الطلبات الجماعية من دول القسم الشمالي من الأرض ، أكثر من مليار لقاح في سبتمبر 2009 ، قد تم منحها الأولوية.
تغيير خطة التطعيم خلال 2009 عن طريق تقليل الجرعات إلى جرعة واحدة بدلا عن اثنتين كما كان مقررا مسبقا. هذا الإجراء أدى إلى زعزعة السياسات الوطنية والتسبب بكمية فائضة من الجرعات. أدى هذا الوضع لتعاظم تردد الشعوب في أخذ اللقاح، حيث تم تطعيم 8% فقط من الفرنسيين، أي ما يعادل 5 ملايين، وبالكاد نصف مليون مغربي، كذلك أقل من 4 ملايين بريطاني. في النهاية 62 مليون أمريكي اتبعوا توجيه منظمة الصحة العالمية على الرغم من التأريخ السابق في عام 1976 حين أدى الشك بظهور وباء حمى الخنازير لإستنفار حملة وقائية كبيرة.

الإطار النظري

1. مبدأ الاحتياط . مذكور في إعلان ريو عن البيئة والتنمية في يونيو 1992 الذي يجيب على الشكوك الناتجة عن عن الأخطار البيئية و الصحية ومسجل في الدستور الفرنسي في عام 2005 بعد قضايا الدم الملوث ومرض جنون البقر،وقد ذكر هذا المبدأ لتبرير حملات الوقاية الجماعية في مواجهة الفيروس H1N1.

2. النزاعات السوسيوتقنية، هذا المفهوم المقترح من قبل ميشيل كولون، بيير لاسكوم ويانيك بارث، يرمي إلى إعادة النضال حول تعريف الأوضاع التي يصعب التحكم فيها، هنا إدارة مشكلة الوباء تسجل في سياق الشك حيث يرفض خطاب السلطة العلمية من قبل عدة معاينات منافسة.

تحليل

إن ريادة منظمة الصحة العالمية في إدارة مشكلة الوباء أظهرت القوة النموذجية لهذه المؤسسة في تقييم محتوى السياسات الوطنية للوقاية. وعلى الرغم من ذلك سقطت شرعية هذه المنظمة حين أقرت رئيستها في 18يناير2010 بحذر زائد عن الحد في مواجهة حمى H1N1 وبررت ذلك بحتمية الصحة العامة. ذكر مبدأ الاحتياط فتح مجالا من الفرص للعديد من الناقدين الذين يطالبون بكشف بديل أو حتى غير متخصص. ننوه في هذا الصدد بأن بعض الأطباء أعلنوا بسرعة عن شكوكهم تجاه حملات التطعيم بالرغم من أن منظمة SAGEقد نصحت بها.
على سبيل المثال ، أشار أحد الأطباء في يوليو 2009 للفوائد المالية و الصناعية الناتجة عن التقييم الزائد عن الحد لتهديد فيروسات الزكام، ولكن منظمة الصحة العالمية كانت أيضا هدفا للنظريات التي اتهمت المنظمة بأنها قد خلقت بكل بساطة الوباء.
الصحفية جان برقيس حررت بلاغا ضد المنظمة ومختبر باكسر، منذ يونيو 2009 بتهمة الإرهاب البيولوجي و محاولة إبادة جماعية.
هذه الاتهامات التي لم تأخذ حيزا كبيرا إعلاميا لحد اليوم عادت لدائرة الضوء بسبب فشل حملات التطعيم، يجدر بنا أن نذكر 13 مليونا من الجرعات المطلوبة لسويسرا ل7.7 مليون من السكان وذلك لمواجهة داء متوسط الخطورة في نهاية الأمر. لهذا السبب قام الخبراء الخمس عشر لمنظمةSAGE بتركيز اتهامات التواطؤ مع الصناعة الدوائية المعروفة بقدرتها على التجمع المريب ، منذ ديسمبر 2009 كانت منظمة الصحة العالمية تحت طائلة المسائلة للعديد من الإثباتات العامة المقدمة من دول أعضاء مثل الهند وفيتنام، ومن جانب آخر توجب عليها أيضا تقديم ضمانات شفافية وفي نفس الوقت، على الرغم من سرية المناقشات، إقامة حدود تضمن تفادي تورط خبرائها في أي صراعات على المصالح . ولكن على حساب فقدانهم للهيمنة على الخطاب العلمي المتعلق بالتقنيات، حيث تبدو هذه التقنيات غير شرعية، هذا الشكل من المعرفة المندمج في شكله المطلق مع أيدلوجية ما حسب جرجان هبرماس يبدو محتجا عليه عن طريق اتهامات مفتوحة وذلك كله بقدر المقاومات السلبية مثل النسب الضعيفة للتطعيم على الرغم من توصيات منظمة SAGE.
إن الازدياد والاستماع المتعاظم للخطابات البديلة التي تأخذ شكل المعاينات المنافسة المتعددة تصاحب هشاشة النموذج الأفقي للمعلومة والقرار. هذا السياق لا يتم بدون ذكر نزاعات أخرى سوسيوتقنية مثل قضايا الدم الملوث أو جنون البقر التي اختلطت فيها عدم الدقة العلمية والاستراتيجيات المختلفة من الممثلين لهذه المنظمة، في الحقيقة إن خصوصية الحالة المطروحة هنا تدل أكثر على الأثر الفاسد الذي تؤدي إليه الوقاية. ويشهد على ذلك دفاع بعض الحكومات الواقعة تحت المساءلة بسبب إداراتها لمسألة الخطر الوبائي. كذلك عندما ردت وزيرة الصحة الفرنسية على مناوئيها بذكر مبدأ الحماية. هذا المبدأ، حسب فرانسوا ايوالد يحتم المبالغة في تقييم التهديد، ويبدو ذلك ضروريا للقادة، خصوصا في حالة الشك، في الواقع إن التكلفات السياسية لكارثة محتملة ستقودهم بطريقة تلقائية لتوقع الأسوء. حسب هذا المنطق ستعتمد الحركة العمومية أكثر من السابق على المعاينة التي يفترض بها أن تحدد الخطر
من مصدره. وعلى الرغم من هذا في حالة الفضيحة ستتبعها مسؤولية ذائبة بين الحكومات ومستشاريها الماليين، الأمر الذي يمكن أن يؤدي لفقدان كامل للشرعية. إن إفلاس المعاينة الرسمية قليلة الشفافية يمكن لها أن تضيف للخطر الصحي أخطار سوق للقلق سهل الاستغلال.

المراجع

Callon Michel, Lascoumes Pierre, Barthe Yannick, Agir dans un monde incertain. Essai sur la démocratie technique, Paris, Seuil, 2001.
Ewald François, Gollier Christian, De Sadeleer Nicholas, Le Principe de précaution, Paris, PUF, 2009. Coll. Que sais-je ?
Habermas Jürgen, La Technique et la science comme « idéologie », Paris, [1968], Gallimard, 1990.
Consulté le 31 octobre 2009, à l’adresse : http://www.invs.sante.fr/international/notes/strategies_vaccinales_a_h1n1_monde_311009.pdf [22 janvier 2010].
Page du site de l’OMS consacrée à la pandémie de grippe A/H1N1 : http://www.who.int/csr/disease/swineflu/en/index.html [26 janvier 2010].